الفيض الكاشاني

244

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

غيره [ 1 ] فإنّ أقلّ درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلا وقد يتعلَّق به ضرر غيره ، وربّ جهل فيه منفعة ومصلحة ، فالكذب تحصيل لذلك الجهل فيكون مأذونا فيه وربّما كان واجبا كما لو كان في الصدق قتل نفس بغير حقّ ، فنقول : الكلام وسيلة إلى المقاصد فكلّ مقصود محمود يمكن التوصّل إليه بالصدق والكذب جميعا فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصّل بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك المقصود مباحا وواجب إن كان المقصود واجبا كما أنّ عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم مسلم قد اختفى من ظالم فالكذب فيه واجب ومهما كان لا يتمّ مقصود الحرب أو إصلاح ذات البين أو استمالة قلب المجنى عليه إلا بالكذب فالكذب مباح إلا أنّه ينبغي أن يحترز عنه ما يمكن لأنّه إذا فتح على نفسه باب الكذب فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر فيه على حدّ الواجب ومقدار الضرورة فكان الكذب حراما في الأصل إلا لضرورة ، والَّذي يدلّ على الاستثناء ما روي عن أمّ كلثوم قالت : « ما سمعت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يرخّص في شيء من الكذب إلا في ثلاث : الرّجل يقول القول يريد به الإصلاح ، والرجل يقول القول في الحرب ، والرّجل يحدّث امرأة والمرأة تحدّث زوجها » ( 1 ) . وقالت أيضا قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « ليس بكذّاب من أصلح بين اثنين فقال : خيرا أو نمى خيرا » ( 2 ) .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط بسند صحيح كما في الجامع الصغير . ( 2 ) أخرجه مسلم ج 8 ص 28 . [ 1 ] فيه نظر لان الكذب إظهار ما هو خلاف الواقع عمدا سواء كان يضر أو ينفع وهذا خروج عن الحقّ وميل عن الصراط السوي إلى الباطل الذي يشمئز عنه الفطرة السليمة والعقل وهذا حرام في الشرع وقبيح عند العقل إلا أن يقال بعدم وجود الحسن والقبح العقليين وهو خلاف ما عليه أصحابنا ، وجواز الشرع الكذب في بعض الموارد لاختيار أقل المحذورين لمصلحة لا ينافي حرمته لنفسه ويؤيد ذلك ظاهر الروايات .